آخر الأخبار :

إشكاليـات تجريـم التحرش الجنسي في ضوء قانون محاربة العنف ضد النساء

إشكاليـات تجريـم التحرش الجنسي في ضوء قانون محاربة العنف ضد النساء

بقلــــــم : سعيـد موقـوش

في ظل مجتمع يعيش على وقْـع " انفجار جنسي"، على حدّ تعبير الباحث المغربي عبد الصمد الديالمي، أو الرُّزوح في ضوء " فوضى جنسية" بتعبير الباحثة المغربية فاطمة المرنيسي، تلك الفوضى التي تحدث عنها "دوركهايم"، التي " يتزعزع فيها نسق القيـم الذي ساد خلال قرون، ولا يعود قادرا على الاستجابة لمتطلبات الحياة الجديدة، دون أن يكون قد ظهر هناك نسـق جديد يعوّض سابقه"، صادق مجلس النواب (في إطار القراءة الثانية) على مشروع القانون رقم103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، وذلك يـوم 14 فبراير 2018 الموافـق لعيـد الحـب، والذي قيل عنه ما لم يقله مالك عن الخمـر، حيث وصفـته الجريدة الأمريكية " الواشنطن بوست" بـ " قانـون الملابس الداخلية".
ومن تـمّ سنحاول من خلال هذه المقالة رصـد بعض الإشكالات القانونية والواقعية، التي جاء بها مشروع القانون رقم 103.13، بخصوص توسيع مجال تجريم التحرش الجنسي، الذي أضحى مجرما في الفضاءات العمومية وغيرها من الأماكن (الواقعية منها أو الافتراضية)، وليس فقط ذلك التحرش الجنسي الواقع في إطار علاقة التبعية بين الرئيس والمرؤوس، المنصوص عليه وعلى عقوبته في الفصل 1- 503 من القانون الجنائي.
هكذا جاءت المادة 1- 1- 503 من مشروع القانون رقم103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء لتنص على أنه: " يعتبر مرتكبا لجريمة التحرش الجنسي ويعاقب بالحبس من شهر واحد إلى ستة أشهر وغرامة من 2.000 إلى 10.000 درهم أو إحدى هاتين العقوبتين كل من أمعـن في مضايقة الغير في الحالات التاليـة: 1- في الفضاءات العمومية أو غيرها، بأفعال أو أقوال أو إشارات ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية. 2- بواسطـة رسائل مكتوبة أو هاتفية أو إلكترونية أو تسجيلات أو صور ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية. تضاعف العقوبة إذا كان مرتكب الفعل زميلا في العمل أو من الأشخاص المكلفين بحفظ النظام والأمن في الفضاءات العمومية أو غيرها".
من خلال المادة المومأ إليها أعلاه، يمكن القول أن موضوع التحرش الجنسي كما جاء في مشروع محاربـة العنف ضد النساء، يطرح جملة من الإشكالات يمكن أن نسوقها كالتالي:

أولا: إن استعمـال مشروع القانون رقم103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء للفظ "الغير" لا ينسجـم مع توجهـات مشروع القانون الذي نحن بصدد التعليق عليه، على اعتبـار أن لفـظ "الغيـر" يشمـل النساء والرجـال على حد سواء، في حين أن مشروع القانون 103.13 جاء لتعزيز الحمايـة الجنائيـة للمرأة. فهـل استعمـال مشروع القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء للفظ " الغير" يسعفنا للقول بأن إرادة المشرع تسعى لتجريم ذلك التحرش العكسي الصادر من المرأة ضد الرجل، أو ما يصطلح عليه بـ " الإثارة الجنسية"، كظاهرة استعراضية، حتى أصبحنا نتحدث عما يعرف بـ "حرب المؤخرات" ؟

ثانيـا: إن صياغة المادة 1- 1- 503 المتعلقة بالحالات التي تعـدّ تحرشا جنسيا، هي صياغة معيـبة، حيث جاءت عامة وفضفاضة وحمّالة أوجه، وكل ما احتمل واحتمل سقط به الاستدلال كما يقول فقهاء الأصول، إذ جاء في هذه المادة أنه: " يعتبر مرتكبا لجريمة التحرش الجنسي ويعاقب بالحبس من شهر واحد إلى ستة أشهر وغرامة من 2.000 إلى 10.000 درهم أو إحدى هاتين العقوبتين كل من أمعـن في مضايقة الغير في الحالات التاليـة: 1- في الفضاءات العمومية أو غيرها، بأفعال أو أقوال أو إشارات ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية. 2- بواسطـة رسائل مكتوبة أو هاتفية أو إلكترونية أو تسجيلات أو صور ذات طبيعة جنسية أو لأغراض جنسية". وبالتالي فإن فعل "الإمعـان" و " المضايقة" جاءت فضفاضة، يبين مدى تخبّط المشرع الجنائي بين مفاهيم أدبية أكثر مما هي مفاهيم تنتمي إلى القاموس القانوني. ينضاف إلى ذلك عدم تحديد المشرع معنى " أغراض ذات طبيعة جنسية"؟ وكيف يمكن أن نميّز بين أغراض ذات طبيعة جنسية والأغراض التي ليست لها طبيعة جنسية؟
كما نتساءل، هل بإمكان القضاء المغربي رصـد جريمة التحرش الجنسي أمام هذه الضبابية التي تكتنف بنية المادة 1- 1- 503 من 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء ؟ وكيف له أن يتحقق من توافر عنصر" المضايقة"على اعتبار أن التغزّل بين الرجل والمرأة وتبادل كلمات الإعجاب والحب أمـر شائع على مستوى العلاقات الاجتماعية، بل وصل الأمر إلى أن تحولت بعض هذه العلاقات إلى أعراف اجتماعية، كالتي تعرف باسم " تقرفيـت" في بعض قبائل الأطلس.
وتقعيدا عليه، فإن تمرير المادة 1- 1- 503 من مشروع القانون المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء، من شأنه أن يجعل القضاء المغربي، أشبه ما يكون بـ " هيئة للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر"، يسعى إلى إعمال قواعد أخلاقية تخاطب مشاعر المواطنين وما تكـنّ صدورهم ! مع العلم أن أول شيء تعلمناه في ردهات كليات الحقوق بالمغرب، أن القاعدة القانونية هي قاعدة سلوك، وليست قاعدة أخلاقية تدغدغ عواطف الناس.
للإشارة فقد سبق للمجلس الدستوري في فرنسا، أن ألغى الفصل 33- 222 من القانون الجنائي الفرنسي، الذي ينص على أن " مضايقة شخص من أجل الحصول على خدمات ذات طبيعة جنسية يعاقب عليها بالسجن لمدة سنة واحدة مع غرامة مالية بقيمة 1500 يورو". وقال المجلس الدستوري في تبريره إلغاء الفصل 33- 222، أنه عملا بمبدأ شرعية الجرائم والعقوبات، فإن المشرع مطالب بتدقيق وتحديد الجرائم بعبارات واضحة بما فيه الكفاية.

ثالثـا: إن استعمال المشرع لعبارة " كل من أمعـن"، يدل على أن مجرّد تحقق فعل المضايقة في الفضاءات العمومية أو غيرها بأفعال أو أقوال أو إشارات ذات طبيعة جنسية، لا يُعـدّ تحرشا جنسيا، بل لابد من توافر صفة "الإمعـان"، التي تفيد المبالغة حسب ما جاء في لسان العرب لابن منظـور ( أمعنتم في كذا أي بالغتم).

رابعـا: إن إقحـام المشرع الجنائي لجريمة التحرش الجنسي في العالم الافتراضي الإلكتروني، الذي يشهد فوضـى منظمة، من شأنه أن يفتح الباب على مصراعيه لسيْـل من الشكايات المسجلة بالنيابات العامة بالمحاكم. وبالتالي، فإن المقاربة الزجرية، لن تسعف كثيرا في مواجهة " الانفجـار الجنسي" الذي يشهده المجتمع المغربي، سواء على مستوى العالم الواقعي أو الافتراضي.

خامسـا: إذا كان المشرع الجنائي قد عمل على تكريس مبدأ المساواة بين الجنسين من خلال استعمال لفـظ " الغيـر" في المادة 1- 1- 503 من مشروع القانون رقـم 103.13، فإننا نجده قد خرق هذا المبدأ من خلال الفقرة الأخيرة من نفس المادة، التي جاء فيها: "تضاعف العقوبة إذا كان مرتكب الفعل زميلا في العمل أو من الأشخاص المكلفين بحفظ النظام والأمن في الفضاءات العمومية أو غيرها"، ومن تـمّ كان الأجـدى بالمشرع استعمال لفظ " زميـل أو زميلـة في العمل"، وذلك إعمالا بمبدأ المساواة.



نشر الخبر :
رابط مختصر للمقالة تجده هنا
http://www.alaan.ma/news1525.html
عدد التعليقات :
الرجاء من السادة القراء ومتصفحي الموقع الالتزام بفضيلة الحوار وآداب وقواعد النقاش عند كتابة ردودهم وتعليقاتهم. وتجنب استعمال الكلمات النابية وتلك الخادشة للحياء أو المحطة للكرامة الإنسانية، فكيفما كان الخلاف في الرأي يجب أن يسود الاحترام بين الجميع.